تابعنا على :

شارك المقالة عبر:

الحوكمة والوهم وبينهما أمور مشتبهات

في ظل التنامي المتسارع في البيئة الاقتصادية يظل التحدي الأكبر هو الاستدامة، والاستدامة بفعالية فقط، فالسوق ينمو وتنمو معه الفرص، وتظل الشركات تحاول الحفاظ على موقعها من السوق، والنمو معه، والفرص مطروحة على قارعة الطريق، فهل تشكل الحوكمة عائقا أمام التقاط الفرص؟

الحقيقة أن الحوكمة وسيلة لا غاية، وطالما كانت وسيلة فهي تهدف إلى غايات، أسماها: تسهيل عملية اتخاذ القرار، الشفافية والمصداقية، حماية حقوق المساهمين وأصحاب المصالح.

والوسيلة متى عادت على غايتها بالإبطال بطلت، ومن هنا أنطلق إلى أن الحوكمة الحقيقية هي التي تسهل عملية اتخاذ القرار بما يحفظ حقوق المساهمين وأصحاب المصالح، بشفافية ومصداقية، فمتى كانت الحوكمة عائقا عن اتخاذ القرار المناسب في وقته المناسب أصبحت وهما.

وبهذا يجاب على السؤال الذي صُدّر به هذا المقال، هل الحوكمة عائق أمام الفرص؟
لا أتحدث هنا عن تطبيق السياسات والإجراءات الحوكمية بشكل خاطئ؛ لأن هذا ولا شك سيشكل عائقا أمام التطور والاستدامة مع المرونة في التقاط الفرص.

وإنما أتحدث عما لو لم تكن الحوكمة المطبقة مناسبة للكيان، فالحوكمة كالثوب للكيان، إن كان مقاسه أكبر تعثر لابسه، وإن كان أصغر بانت سوأته، فالكيان الناشئ عندما يحوكم سياساته وإجراءاته على الطريقة التي تقوم بها الكيانات الكبرى سيتعثر في حوكمته، وستكون الحوكمة عائقا له أمام التقاطه للفرص، لأن الحوكمة بطبيعة الحال تتطلب وجود إجراءات محددة لاتخاذ القرارات، وهذا الكيان الناشئ يمر بفرص كثيرة وهو بين أمرين، أحلاهما مر؛ إما أن يسارع في التقاط الفرصة ويخالف ما تقمصه من ثياب ليست له، وإما أن يتعثر بثوبه فتفوت عليه الفرص.

وبالمقابل عندما ترى كيانا كبيرا لديه سياسات حوكمية أقل من أن توازي حجمه فسيظهر عواره، وتحدق به أخطاره، حتى إن رأى في نفسه نموا وتطورا، فسيكبر ويظل ثوبه على حاله حتى لا يكاد يستر من بدنه شيئا، وحينها يسقط الكيان، وتضيع حقوق المساهمين وأصحاب المصالح.

وبهذا يتبين أن الحوكمة وسيلة لا غاية، وسيلة لتسهيل اتخاذ القرار المناسب، وليس لتسريع اتخاذه، وسيلة لتحقيق الشفافية والمصداقية والعدالة، وحماية حقوق المساهمين وأصحاب المصالح، ولذا؛ فلا بد لكل كيان من حوكمة تناسبه، فالكيان الناشئ تتم حوكمته على وفق المرونة التي يحتاجها، والكيان المتوسط تتم حوكمته على أسس تحميه من السقوط ولا تمنعه من النمو، وأما الكيانات الكبيرة، سيما التي تعدد المساهمون فيها، فحوكمتها سر استدامتها، فينبغي ألا يحملها التقاط الفرص على التفريط في حقوق المساهمين، كما ينبغي ألا تكون حماية حقوق المساهمين عائقا لها عن تحقيق الأرباح.

وهذه هي الشعرة الدقيقة بين الحوكمة والوهم، أعني الجمع بين حماية الحقوق والاستدامة مع النمو، لأن قائد الكيان يقوده في مركب لابد أن يوازن فيه بين الحماية والنمو، أيا كان حجم هذا المركب، لأنه متى اختل هذا الميزان غرق المركب، فإذا لم تحم حقوق المساهمين وأصحاب المصالح أفلس الكيان، وإذا لم تسع إلى الاستدامة والنمو لم يستطع الكيان على مجاراة السوق؛ لذا كان لابد من تطبيق الحوكمة المناسبة بفعالية.

ويزعم كثير من بائعي الوهم أن الحوكمة نماذج يتم تعديلها وفق طلب العميل؛ بينما الحوكمة أكبر من ذلك، فلابد أن تتم مراعاة القطاع الذي يعمل فيه الكيان، فثمة قطاعات مرنة تتطلب مرونة في اتخاذ القرارات، وثمة قطاعات ثقيلة في اتخاذ القرارات، لذا من الواجب أن تكون الحوكمة على وفاق مع القطاع، وكذلك لابد أن تتم مراعاة نوعية ملاك الكيان، هل هي شركة عائلية أو تجارية بحتة، وكذلك لابد من مراعاة ثقافة الكيان، وبيئة عمله، وحجمه، وجميع الأمور المحتفة به، وهذا ما لا يدركه بائعو الوهم، الذين يتخذون نموذجا واحدا للحوكمة في جميع أشكال الكيانات وأحجامها وقطاعاتها.

وإذا سلطنا الضوء على شركات المقاولات مثلا وجدناها سريعة النمو، سريعة السقوط، وهذا ما جعلني أتساءل عن السبب، وأفتح المجال للتفكير في الأسباب إلا أنني بعد تأمل وجدت سبب ذلك هو مرونة قطاع المقاولات، وحاجته الشديدة للسرعة في اتخاذ القرارات، مما يجعله ينمو بسرعة لكثرة الفرص المطروحة فيه، ثم يسقط بسرعة لعدم وجود حوكمة فعالة، والسبب في انعدام الحوكمة أو عدم اهتمام بعض شركات المقاولات بالحوكمة هو ظنهم أن الحوكمة عائق لهم أمام الفرص.

وهذا الظن ناشئ من النموذج الموحد للوهم الذي يُظن أنه من الحوكمة، بينما لو كان القائم على الحوكمة خبير بها، خبير بالقطاع، عالم بتحدياته، لبنى السياسات على أصل متين، يقي الشركة من السقوط، ويدفعها للأمام تجاه الفرص المعروضة، أما إلباس شركة المقاولات ثوب شركات التقنية وشركات التطوير وشركات التجزئة وما إلى ذلك فهو قتل لمرونتها، وعائق أمام نموها، وهو ما يجعل تلك الشركات عازفة عن الحوكمة، مما يؤدي إلى نموها السريع، ثم إلى سقوطها المريع.

الحوكمة بحر كبير، تفتقر إلى غواص خبير، يلتقط دررها، ويلبسها أهلها، والوهم مستنقع من غاص فيه عجز عن الخروج منه، وبين الحوكمة والوهم أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس

وليد الخليفة
الرئيس التنفيذي لشركة محمد بن عثيمين محامون ومستشارون قانونيون
مسؤول حوكمة الشركات المعتمد (ICCGO)

المزيد من المقالات