تابعنا على :

شارك المقالة عبر:

صياغة العقود بين المصلحة والرضا

في ظل النهضة التجارية التي تشهدها المملكة العربية السعودية، ومع تزايد ثقافة (الوقاية خير من العلاج) لدى التجار؛ أصبحت صياغة العقود أحد أكثر الخدمات القانونية طلبا، حتى كاد هذا الفن أن يكون تخصصا مستقلا، ينقطع إليه كثير من القانونيين، مما جعلهم يتتابعون على استخراج غوائره، وابتكار أساليبه، إلا أنهم كانوا فيه طرائق قددا.

وقد هام كثير من كُتّاب العقود على وجوههم، فلم يستبينوا الفرق بين المصلحة والرضا، فإذا أقبل عليهم العميل جعلوا شعارهم (رضا العميل غاية لا تترك!!)، فيسعون إليها بالعد والعتيد، رغبة في تحصيل ما في يديه من تكاليف الخدمة، ويتجاهلون مصلحته، ورضاه الدائم.

وذلك أن العملاء إنما يتجهون إلى القانونيين بحثا عن مصالحهم، لا بحثا عن رضاهم، ويغفل البعض أن الرضا يتحقق بتحقق المصلحة، فيستعجل الثمرة، ويطلب رضا العميل ابتداء غافلا عن مصلحته انتهاء.

ولعلك تستهجن بعض ما تقدم لما يُتوهم من الفرق بين المصلحة والرضا، فدعني أضرب لك مثالا من واقعٍ عملي، يجلي لك كيف يتخبط الناس بين مصلحة العميل ورضاه:

هذا عميل أراد أن يدخل في شركة مضاربة، هو رب المال، ويريد أن يسلم ماله إلى من يضارب فيه، فوجد آخر يستورد بضاعة ويبيعها بأرباح مجزية، فأراد أن يدخل معه في عقد مضاربة، فذهب إلى من يكتب له العقد، فأراد كاتب العقد أن يكسب رضا العميل، فوضع شروطا ظاهرها فيه المصلحة، وباطنها من قبله الضرر.

وتلك الشروط كانت تشد وطأتها على المضارب، كاشتراط كون تكاليف التسويق والتشغيل كافة على المضارب، واشتراط تنضيض رأس المال بعد انتهاء الشراكة وأنه على المضارب، واشتراط عدم رد الأرباح إلى وعاء الشراكة وأن تسلم جميعها لرب المال، وفي المقابل أرباح المضارب ترد إلى الوعاء، ومثل هذه الشروط التي ظاهرها قد يسر رب المال بخروجه بمكاسب كثيرة دون تحمله لأعباء زائدة على ما دفعه من رأس المال، وباطن هذه الشروط يحكيه ما آلت إليه الشراكة فيما بعد.

وذلك أن المضارب عجز عن التسويق للبضائع في المخزون، فاستهلك جهده أول فترة الشراكة، وباع بأرباح مقبولة، ذهب جلها لرب المال، وما بقي منها اضطر المضارب إلى أن يشغل به الشراكة ويسوق لمنتجاتها، وهكذا حتى بدأت تتضاءل الأرباح، وضعفت المبيعات، فانتهت مدة الشراكة وما بقي في المخزون أكثر مما بيع، ولم يستطع حينها المضارب تصريف المخزون لحاجته إلى التسويق لذلك، فبقي المخزون حتى تلف، فذهب رأس المال، واكتفى رب المال بما تحصل عليه من أرباح، لا تعادل ربع رأس ماله.

بعيدا عن الموقف القانوني لرب المال، وهل له الحق في مطالبة المضارب أو لا، فإنه لو افترضنا أنه حكم له فإن دينه غالبا سيكون من الديون المعدومة.

وعلى كل حال، أليس من الأفضل لو صيغ العقد صياغة يراعى فيها التوازن العقدي بين طرفيه، حتى تستمر الشراكة وتنمو، وتعظم مصلحة رب المال والمضارب، بدل أن يتم إرضاء رب المال بشروط ظاهرها في صالحه، إلا أنه لم ولن تؤتي ثمارها.

بهذا المثال يتضح الفرق بين مصلحة العميل ورضاه، وغالبا ما تمس هذه المسألة التوازن العقدي؛ وذلك أن كثيرا ممن يكتب العقود يراعي رضا عميله فقط لا غير، وبالفعل يرضى العميل بذلك بادئ الأمر، حتى يصطدم بعقبة اختلال التوازن العقدي، ثم انتهاء العقد دون تحقيق مقاصده، والواقع أن العميل عندما توجه إلى مختص لكتابة العقد يبحث عن مصلحته لا عن رضاه، فينبغي إذن مراعاة هذه المسألة عند كتابة العقود.

إن التوازن العقدي اليوم أصبح حتميا، لكثرة المتغيرات، وتسارع الأحداث، مما يجعل العقود أكثر قابلية لاختلال التوازن العقدي، الذي يعود على العقد بالفشل، وقد نشأ عن التوازن العقدي عدة نظريات قانونية، أبرزها نظرية الإذعان، التي تجعل للطرف المذعن الحق في إبطال بعض الشروط في عقد الإذعان تحقيقا لمبدأ التوازن في العقود، وكذلك جاءت الأنظمة الحديثة بمراعاة التوازن العقدي، ومن ذلك ما جاء في المادة (471) من نظام المعاملات المدنية، والتي نصت على أنه: (إذا انهار التوازن العقدي بين التزامات كل من صاحب العمل والمقاول بسبب ظروف استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها وقت التعاقد وتداعى بذلك الأساس الذي قام عليه التقدير المالي لعقد المقاولة، فللمحكمة تبعا للظروف بعد الموازنة بين مصلحة الطرفين أن تقضي بإعادة التوازن العقدي، بما في ذلك تمديد مدة التنفيذ أو زيادة الأجر أو إنقاصه أو أن تقضي بفسخ العقد).

ويلاحظ هنا اختيار لفظ مصلحة الطرفين، فالأصل اعتبار ما ورد في العقد كونه نظام المتعاقدين وقد رضيا به؛ إلا أنه إذا طرأت أمور من شأنها أن تخل بتوازن العقد، فمن مصلحة الطرفين درء هذه الأمور، ولو أدى ذلك إلى التعديل على العقد من أجل أن يمضي العقد وفق ما يؤمل منه، أو حتى لو أدى ذلك إلى فسخ العقد حفاظا على مصلحتهما.

والخلاصة: عند كتابة العقود لا تسعى إلى إرضاء عميلك بكثرة البنود التي تصب في صالحه وحده، وتضر بالطرف الآخر، ولكن اسع إلى مصلحة عميلك بصياغته العقد وفق ما يحقق مقصوده، ويؤتي أكله، حتى لا توقع عميلك مستقبلا في حرج اختلال التوازن العقدي الذي يؤدي إلى انفساخ العقد أو تعثره أو خروجه عن هدفه.

وهذا لا يعني الإسفاف بحق العميل، ولكن يعني أن توعيه تجاه تلك المخاطر فإن أبى إلا تلك الشروط فقد أديت ما عليك بنصحه، وهو أبصر بحاله وبظروف التعاقد، فليست كل العقود تصلح بالقانون؛ ولكن القانون أحد الركائز، وتبقى الركائز الأخرى، كالمخاطرة ونحوها، والله الموفق

 

وليد بن إبراهيم الخليفة
الرئيس التنفيذي لشركة محمد بن عثيمين محامون ومستشارون قانونيون

المزيد من المقالات